تحليل.. الأزمة الثلاثية تهز أركان النظام العالمي

مباشر – سالي إسماعيل: يدخل وباء “كوفيد-19” مرحلته الثانية مع إعادة الفتح التدريجي لاقتصادات الدول وتخفيف أو حتى إلغاء تدابير التباعد الاجتماعي الصارمة.

ومع ذلك، ما لم يتم الوصول إلى علاج أو لقاح فعال ومتاح للجميع، فإن الانتقال إلى الوضع الطبيعي سيكون بمثابة طموح أكثر منه أمراً حقيقياً، بحسب تقرير نشر على موقع “بروجيكيت سينديكيت” لوزير الخارجية الألماني في الفترة من 1998 وحتى عام 2015 “يوشكا فيشر”.

 والأسوأ من ذلك، أن هذا يخاطر بإثارة موجة ثانية من الإصابات على المستوى المحلي والإقليمي وربما على نطاق أوسع بكثير.

صحيح، تعلم كل من صناع القرار السياسي ومقدمي الرعاية الصحية والعلماء وعامة الناس أمور كثيرة من تجربة الموجة الأولى للوباء.

ورغم أن الموجة الثانية من العدوى تبدو محتملة للغاية، إلا أنها سوف تسير بشكل مختلف عن الموجة الأولى.

وبدلاً من الإغلاق الشامل الذي يؤدي إلى توقف الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ستعتمد الاستجابة بشكل أساسي على قواعد صارمة ولكنها موجهة للتباعد الاجتماعي وأقنعة الوجه والعمل عن بعد وعقد المؤتمرات عبر الفيديو وغيرهم.

ولكن، قد تظل عمليات الإغلاق المحلية أو الإقليمية ضرورية في المواقف الصعبة، بناءً على شدة الموجة التالية.

ومثلما كان الوضع في الموجة الأولى من الوباء، ستشمل المرحلة التالية حدوث ثلاث أزمات في نفس التوقيت.

ومع خطر خروج الإصابات الجديدة بالوباء عن نطاق السيطرة والانتشار على الصعيد العالمي مرة أخرى، يجب إضافة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة وتصعيد الخلاف الجيوسياسي.

وبالفعل، يعاني الاقتصاد العالمي من ركود عميق لن يتم التغلب عليه بسرعة أو بسهولة.

وسيكون هذا الركود بالإضافة إلى الوباء ضمن عناصر اشتداد المنافسة الصينية الأمريكية، خاصةً في الأشهر التي تسبق الانتخابات الرئاسية الأمريكية المزمع عقدها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ولو أن هذا المزيج من الاضطرابات الصحية والاجتماعية الاقتصادية والجيوسياسية لم يزعزع الاستقرار بما فيه الكفاية، فلا يمكن للمرء كذلك تجاهل عامل ترامب.

وإذا فاز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بولاية ثانية مدتها أربع سنوات، فسوف تتصاعد الفوضى العالمية الحالية بشكل كبير للغاية، في حين أن فوز منافسه الديمقراطي “جو بايدن” سيجلب على الأقل استقراراً أكبر.

ونادراً ما كانت الرهانات على الانتخابات الرئاسية الأمريكية أكثر أهمية من الوضع حالياً.

وبالنظر إلى الأزمات المتصاعدة حول العالم، ليس من المبالغة القول إن الإنسانية تقترب من مفترق طرق تاريخي.

ومن المحتمل ألا يتضح المدى الكامل للركود الاقتصادي حتى حلول خريف وشتاء هذا العام، عندما تحدث على الأرجح صدمة أخرى؛ نظراً لأن العالم لم يعد معتاداً على مثل حالات الانكماش الحادة.

ومن الناحية النفسية ومن حيث القيمة الحقيقية، اعتدنا على النمو المستمر.

والسؤال: هل ستكون الدول الأكثر ثراءً في الغرب وفي آسيا قادرة على التعامل مع ركود عميق وواسع النطاق وطويل الأمد أو حتى كساد اقتصادي؟.

وحتى إذا كانت تريليونات الدولارات من الإنفاق التحفيزي تؤكد أنها كافية لتعويض الانهيار الكامل، فإن السؤال سيكمن في: “ماذا سيأتي بعد ذلك؟”.

وفي أسوأ السيناريوهات (وهو أمر غير مستحيل)، سيتم إعادة انتخاب ترامب واندلاع موجة ثانية من الوباء على الصعيد العالمي وتستمر الاقتصادات في الانهيار وتتحول الحرب الباردة الجديدة في شرق آسيا إلى أخرى ساخنة.

ولكن حتى لو لم يفترض المرء الأسوأ، فإن الأزمة الثلاثية سوف تدخل عهداً جديداً، يتطلب إعادة بناء النظم السياسية والاقتصادية الوطنية والمؤسسات متعددة الأطراف.

وحتى في أفضل السيناريوهات، لا يمكن العودة إلى الوضع الذي كان قائماً من قبل، فالماضي وراءنا وما يهم الآن المستقبل فقط.

ولا ينبغي لنا أن نسمح بأي أوهام حول ما يمكن وما يجب أن يأتي بعد ذلك.

وتعتبر الأزمات التي خلفها الوباء عميقة وبعيدة المدى لدرجة أنها ستؤدي حتماً إلى إعادة توزيع جذرية للسلطة والثروة على المستوى العالمي.

ومن شأن المجتمعات التي استعدت لهذه النتيجة عبر إعداد الطاقة والمعرفة والاستثمارات اللازمة، أن تكون من بين الفائزين، أما أولئك الذين يفشلون في رؤية ما هو آت سيجدون أنفسهم بين صفوف الخاسرين.

وعلى كل حال، قبل الوباء بفترة طويلة، كان العالم يمر بالفعل بمرحلة انتقالية إلى العصر الرقمي مع تداعيات بعيدة المدى على قيمة التقنيات التقليدية والصناعات القديمة وتوزيع السلطة والثروة العالمية.

وعلاوة على ذلك، فإن حدوث أزمة عالمية أكبر تلوح بالفعل بشكل كامل في الأفق، وستكون عواقب تغير المناخ الجاري أخطر بكثير من أي شيء شاهدناه من قبل، ولن تكون هناك فرصة التوصل إلى لقاح لحل هذه المشكلة.

وهكذا فإن وباء كورونا يمثل نقطة تحول حقيقية.

ولعدة قرون، اعتمدنا على نظام الاقتصاد السياسي الذي يتكون من دول قومية أنانية سيادية والصناعات (تحت عهد كل من الرأسمالية والاشتراكية) التي تقوم على الوقود الأحفوري واستهلاك الموارد الطبيعية المحدودة.

ويصل هذا النظام سريعاً إلى حدوده القصوى، مما يجعل التغيير الأساسي أمراً لا مفر منه.

وتكمن المهمة حالياً في أن نتعلم قدر المستطاع من الأزمة الثلاثية للموجة الأولى من الوباء.

وبالنسبة لأوروبا، التي بدا أنها تخلفت كثيراً من الناحية الاقتصادية والجيوسياسية، فإن هذه اللحظة تُعد بمثابة فرصة غير متوقعة للتعامل مع أوجه القصور الواضحة.

وتتمتع أوروبا بالقيم السياسية (الديمقراطية وسيادة القانون والمساواة الاجتماعية) والمعرفة التقنية وقوة الاستثمار للعمل بشكل حاسم لصالح مبادئها وأهدافها، وكذلك تلك الخاصة بالإنسانية بشكل عام.

والسؤال الوحيد هو ما الذي ينتظره الأوروبيون؟.

 

مساحة اعلانية